الأسطرلاب : وزير الثقافة المؤقتة و فتنة المعراج بقلم الدكتور عبد الحليم المسعودي

(( و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ))

صدق الله العظيم

سورة الإسراء , الآية 60 .

 

 (1)

فاجأني خطاب وزير الثقافة المؤقت السيد المهدي مبروك إزاء الأحداث الأخيرة المتعلقة بتهمة تعدي بعض الفنانين التشكيليين على المقدسات أو ما درج بتسميته تحت عنوان متفق عليه سلفا  » المسّ بالمقدسات  » التي تحوّلت منذ حادثة عرض شريط برسيبوليس

Persépolis  

لى ورقة « جوكار »  تستعمل في كل مرة في تبرير سياسة مرتبكة و فاشلة , إلى جانب  » جوكارات  » أخرى كثر استعمالها بعد الثورة كجوكار  » المؤامرة  » و جوكار  » الإشاعة  » و جوكار  » سلطة الشعب  » . كما فاجأتني لأوّل مرّة في تاريخ تونس المعاصر تلك الندوة الصّحفية  المنقولة على الهواء مباشرة في التلفزيون الوطني بمناسبة أحداث العنف التي شملت البلاد بسبب الإساءة المزعومة للمقدسات , و هي الندوة التي خصّصت لنقاش  « عميق  » و صريح حول الفن التشكيلي  و الجماليات و فلسفة الفن و التي شارك فيها كل من وزير الثقافة و  وزير حقوق الإنسان و العدالة الإنتقالية و وزير الشؤون الدينية  و ممثل عن وزارة العدل و آخر عن وزارة الداخلية  في الحكومة المؤقتة . و أعتقد أن هذه الندوة الصحفية  » التاريخية  » تستأهل أن تكون درسا افتتاحيا أو متميزا في كبريات الجامعات التي لا تزال تعتقد أن الفن علم و فلسفة و رؤية للكون , خاصة بعد أن ساهم فيها عن بعد الشيخ راشد الغنوشي و النائب إبراهيم القصاص  النازل لتوّه من عربة النقل الرّيفي و غيرهم من المهتمين بمسألة الإبداع في علاقته بالمقدّس .

(2)

لقد فاجأني وزير الثقافة المؤقت السيد المهدي المبروك حين بنى موقفه ذاك في الدّفاع المستميت عن  » المقدسات  » على معطيات واهية و انظم بشكل لا إرادي إلى جوقة طوابير الجهل المقدس الذي ترفع شعارات الجموع المتدافعة بالعنف دفاعا على شرف النبي الأكرم و نصرته – و لن يقدر أحد المس من قدره الشريف – و على الذات الإلهية التي لا يقدر كائن من كان على تحديد ملامحها … أستغرب من وزير للثقافة و الذي من المفروض أن يكون وزير ثقافة في مرحلة ثورية أن يكون أداؤه بهذا التسرع و الإرتباك و قلة الحجّة و السطحية المفرطة و الخطاب الشعبوي الذي يدعي الفهم في كل شيء بما في ذلك الفنون الجميلة و هي فنون تعدّ من أعصى الفنون على الفهم و أكثرها تعقيدا …

 ينخرط الوزير في الإرتجال في الموقف و الحكم بناء على قضية واهية قائمة على المغالطة و التغليط بعد  أن ثبت أن اللوحة التي عرفة بلوحة الكعبة والتي تمثل موضوع  » المعراج  » و هي اللوحة التي روّجت لها صفحات الشبكة الاجتماعية  المتأسلمة  و على رأسها صفحة شباب النهضة لم تكن موجودة أصلا في معرض ربيع الفنون بقصر العبدلية و إنما هي في الحقيقة من مقتنيات أحدى الخواص من جامعي الأعمال الفنية في السينغال … وقد انساق السّيد المهدي مبروك وراء رأي عدل منفذ يدّعى محمد علي بوعزيز –  و الذي لا أعتقد أنه يفقه شيئا من أصول الفن التشكيلي و تعبيراته الحديثة – الذي كان سببا لإشعال فتيل الفتنة حين هرع إلى المساجد يُحرّض الناس على الفنانين العارضين في معرض العبدلية  و ينادي على الناس بالويل و الثبور نصرة للدين و ذودا عن المقدسات  .

(3)

ينساق الوزير دون أن يكون قد تثبت من الأمر إلى هرج الإدعاءات الواهية تجاه اللوحات المعروضة و المستهدفة بالتكفير و المساس بالمقدسات , و الحال أن الأعمال المستهدفة والتي  « يرجح »  الوزير أن تكون لها إساءة بالمقدّسات كان بالإمكان أن تكون موضوعا للتحكيم من طرف أهل الذكر من النقاد و الأكادميين المختصين في الجماليات و الفنون التشكيلية .

ونعتقد أن لوحة تمثل سوبر مان

 Superman

الشخصية الكرتونية ( أو السينمائية التي خلدها مارلون براندو ) ملتحية تحمل بين ذراعيها صبيا ملتحيا  لا تعدّ في نظرنا  مساسا بالمقدّس اللّهم إذا كانت اللحية المرسومة على وجه سوبرمان مقدّسة و هو ما يدخلنا في باب الفيتيشية المضحكة , و أمّا العمل الذي ينتمي إلى فن التّنصيبات

  Installation  

و الذي يمثل تلميذا تخرج من محفظته قافلة من النّمل لترسم عبارة « سبحان الله », فإني أجدها من أجمل الأعمال الفنيّة و يكفي أن نطلع على قراءة الدكتور سمير التريكي التي أدلى بها إلى إحدى القنوات التلفزيونية حتى ندرك ثراء هذا المقترح التشكيلي و قابلية هذا العمل على احتضان ما يسمّيه الوزير نفسه ب » باتساع خيال التأويل  » , و أعتقد شخصيا أن من يرى هذا العمل سيحيله على سورة النمل في القرآن الكريم … فأين المساس بالمقدسات ؟ .

و تبقى لوحة وجه الملتحي الغاضب المرسومة بأسلوب البوب آرت

 Pop Art   

و هي لوحة تقف عند حدود المحاكاة التضخيمية و المحاكاة كما هو معروف وظيفة  من وظائف فن الرّسم , لا أعتقد أن في هذه اللوحة مسّ بمقدس ما , اللّهم ما قد تحدثه هذه اللوحة في عين ملتح من المنتمين للسّلفية الإسلامية من فعل التّعرف

 L’ effet d’identification

فتثير في ذهنه ربما الضيق و الغضب و الحنق تماما كما يثير الهجاء غضب المهجو و غيضه , و تبقى لوحة المرأة العارية و التي يقف ورائها كتل بشرية   ملتحية  داكنة السواد , فأنا لا أعتقد أن العري لم يعد من  المواضيع التقليدية لفن الرسم و صاحبها الفنان التشكيلي محمد بن سلامة معروف بهذا الأسلوب المازج بين الطابع السوريالي الحالم

   Surréalisme onirique

و هو أسلوب قد يحتاج في قراءته لناقد متمكّن من التحليل النفسي و مفسّر للأحلام

    un oniromancien,

و هو أسلوب قد يشترك فيه محمد بن سلامة مع الفنان التشكيلي التونسي  حليم قارة بيبان , وأعتقد أن وزارة الثقافة قد سبق لها و أن اقتنت من أعمال محمد بن سلامة  الفنية ضمن لجنة شراءاتها .

(4)

و الأكثر غرابة في كل ذلك هو خطاب الوزير الثقافة و موقفه بخصوص هذه القضية حين عبّر  بلغة تحقيرية في تلك النّدوة الصّحفية و هو يصادر أذواق الناس , متهجما على جملة تلك الأعمال التشكيلية التي يعتبرها أعمالا على درجة من الذوق الضحل

  Mauvais gout  

– هكذا يستعمل العبارة –  و كأنّه كوزير للثقافة مطالب بتقييم الأعمال الفنية و الحكم على الفن و تصنيفه إلى فن راق و آخر رديء , و هو ما يذكرنا للأسف بنظرية  الانحطاط

   Dégénérescence    

للمنظر النمساوي ( الصهيوني ) ماكس نوردو

 Max Nordau

و هي النظرية التي أعطت  الفاشيات الكبرى  فلسفة  الفن المنحط

  Art dégénéré  

و التي حاربت بها ألمانيا النازية كل فن مخالف لعقيدتها العرقية و لفنها الرّسمي و التي دمّرت من خلالها أعمالا تشكيلية كبرى تنتمي للمذاهب الفنية التي تم تجريمها كالدادائية و السوريالية و التكعيبية و الوحوشية و الإنطباعية و التعبيرية و التجريدية  لأن هتلر إعتبرها جماليا تنتمي للفن الآفل

  Art décadent  

عرقيا و عنصريا و لا تستجيب لأيديولوجيا النهضة الآرية و قيمها البطولية و الفحولية و الملحمية .

(5)

 و الخطير في خطاب السيد المهدي المبروك هو أنه يبشر مستقبلا إلى الدعوة إلى عقيدة طهرانية في الفن و الثقافة و بموجب ذلك و كما هو في معظم الفاشيات يتم تقسيم التعبير الفني بين فن رسمي و آخر هابط و هامشي . و قد لمسنا هذا النزوع إلى نوع من الطهرانية

  Puritanisme

في نظرة الوزير للمسألة الثقافية و هي طهرانية لا تقوم إلا على المصادرة أي مصادرة الأذواق حين أعلن منذ أشهر و هو يتحدث عن البرمجة في مهرجان قرطاج الصيفي أن لن يسمح بمرور أشباه الفنان اللبنانيين كننسي عجرم و إليسا على خشبة قرطاج    » ولو على جثته  » و فنانين مصريين كالمطربة شيرين و غيرهم , و في ذهن الوزير فن آخر بديل يمثله كاضم الساهر و مارسيل خليفة و نصير شمة , و لا ننسى حماسته الأخيرة في دعم الحفل الفاشل للمطرب الديني عادل يوسف , فيما يجتهد الوزير الثوري بإقناع الديفا فيروز لجلبها إلى قرطاج توغلا في تلميع أدائه الذي لا يخلو من تحذلق سياسي , و ينسى في ذات الوقت أن فيروز سبق لها و أن غنت في تونس و في زمن المخلوع و لا أدري كيف لم يسأل الوزير نفسه و هو عالم إجتماع أن أذواق الناس لا يمكن أن تحدّدها السّلطة أي سلطة كانت .

 

(6)

كما أستغرب كيف يتحوّل هذا الوزير إلى معاداة أهل الفن في هذه الحادثة الملتبسة على الجميع , و كان من المفروض من موقعه ذاك كمسؤول على الإدارة الثقافية أن يكون لسانا للتوضيح و الإفهام و تهدئة الخواطر و النفوس خاصة و أنه برهن على قدرة في الإلتحام بالناس و مراوغة البروتوكولات من باب التواضع الذي أرجو أن لا يكون مزيفا … إنني لا أحمّل وزير الثقافة المؤقت جهله بالفنون التشكيلية و فلسفة الفن , و لست أطالبه أن يكون في حجم أندري مالرو

A. Malraux

أو على الأقل حتى في حجم محمود المسعدي أو الشاذلي القليبي اللذان هندسا مسارات الثقافة في تونس من موقعهما الإداري و السياسي , و أعطت ما أعطت هذه السياسة من نخب مثقفة و مبدعة في جميع المجالات , كما هندسا مؤسسة الدولة المتمثلة في وزارة الثقافة ضمن فلسفة تحويلها إلى قطاع عمومي عضوي , تلك الوزارة التي إشتغل فيها السيد المهدي مبروك لمدة خمسة عشر عاما .  هو ذا وزير الثقافة الثوري الذي يعتبر نفسه و يروج له البعض على أساس أنه أول وزير للثقافة بعد الثورة ينقلب من خلال هذا الموقف المعادي لأهل الفن و لحرية الإبداع على خطابه السابق الذي يصرح فيه أنه ضد أية رقابة على الإبداع , فهو قد سبق له أن صرّح في إحدى الصحف الشرقية  (أنظر جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 03 جوان 2012 ) أن  » أهم ما حققته الثورة تحرير المثقف التونسي من عقدة الخوف  » , لكنه الآن يسقط في تكريس الخوف و التخويف للمثقفين و المبدعين , و يتناقض حين يصرح  » أعتقد أن آلية الرقابة عن الإبداع هي ضمير المبدع و حسه الفني و الجمالي  » حين يصادر بشيء من التواطىْ الترويكي ضمائر الفنانين , و يتناقض مرّة أخرى حين يصرح  » نحرص على إبقاء الثقافة محايدة خرج الصراع المحتوم بين الإسلاميين و العلمانيين  » و موقف الوزير الذي أفصح عنه متكاتفا مع وزير الشؤون الدينية يقحم هذه القضية و التي هي قضية فن و إبداع و ذوق و رؤية للكون في أتون التدافع بين الإسلاميين و العلمانيين .

و لعل أخطر ما يمكن أن نتصوره بخصوص الرقابة مع وزير الثقافة هذا أنه لا يذهب مباشرة على خلفية هذه القضية في إتجاه  ممارسة الرقابة بل يتوغل في رفع السقف المبدئي لها حين يضعها مقتنعا تحت إسم  » المس بالمقدسات  » , و هو أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الثورة في السياسة الثقافية إذ أن مثل هذا التوجه سيفتح البوابة على مصراعيها في اتجاه التفتيش في النوايا و الظمائر و تنشيط ملكات التأويل الفكري و الإبداعي الذي سيقوم به بدلا عن أهل الإختصاص أطراف أخرى تبدأ من رجالات وزارة الشؤون الدينية و صولا للمتحمسين للممارسة الحسبة بأسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر … و أنني لا أطمئن لهذه الذهنية التي يكشف عنها الوزير السيد المهدي مبروك الذي يعتقد و هو المطالب بالحياد أن يقسم الساحة الثقافية إلى تيار عربي إسلامي أصيل و تيار آخر إنسلاخي أو فرنكفوني إجتثاثي على حد عبارته و يتناغم ذلك بشكل مبطن مع العداوة التي يكنها البعض ربما باسم الحقد الطبقي أو ربما باسم معاداة الفرنكفونيين الذي يعتقد البعض أنهم مجتمعون في السكن و المصالح في الأحواز الشمالية للعاصمة .

 

(7)

 

و تواصلا مع حادثة العبدلية التي أرادها البعض فتنة قاتلة تأتي على الأخضر و اليابس في البلد … أريد أن أعود إلى لوحة  » الكعبة  » أو لوحة  » المعراج  » لصاحبها الفنان التشكيلي محمد بن سلامة و التي رأى فيها الوزير مسا من المقدسات إستجابة لرأي الجموع , فالوزير لا يتوانى في إعتبار أن هذه اللوحة قد مست بالمقدسات مشيرا أنه ليس من المعقول أن يرسم البراق في شكل حمار و الحال أن لا حمار  في اللوحة و لا بغلة و لا هم يحزنون , بالرّغم أن ما ورد في الأحاديث أن دابة البراق التي أسرت و أعرجت بالنبي الأكرم عليه أفضل  الصلاة و السلام هي بين الحمار و البغلة كما يدل على ذلك قول النبي الأكرم أي  كما ورد في الخبر مروي عن إبن عباس رضي الله عنه عن الرّسول صلى الله عليه و سلم :

 » حملت على دابة بيضاء بين الحمار و بين البغلة في فخذيها جناحان تحفز بينهما رجليها , فلما دنوت لأركبها شمست فوضع جبريل يده على معرفتها ثم قال :  » ألا تستحين يا براق مما تصنعين ؟ ….  » (إبن سعد – الطبقات الكبرى– دار إحياء علوم التراث العربي – بيروت – لبنان , الطبعة الأولى 1995 –  الجزء الأول و الثاني – المجلد الأول – ص 103 )

… و أكتفي هنا بالإشارة إلى أن موضوع الإسراء المعراج ألهبت المخيال الإسلامي من فقهاء و فلاسفة و متصوفين لما لهذا الفعل من تكريم إلاهي للشخصية المحمدية الكريمة , و هو موضوع يكاد يشكل فتنة رائعة للمسلمين لما يحيل عليه هذا الفعل من إستعلاء روحي و معراج شعوري يتوق إليه كل مسلم لا يعتور قلبه مرض … و هو ما يفسر ولع الرسامين في الحضارة الإسلامية بدءا من العمل الفني الضخم الذي صوره رسام المنمنمات الفارسي أحمد موسى ( القرن الخامس عشر ميلادي) في زمن السلطان الماغولي أمبراطور تبريز المعروف بالخان أبو سعيد , و وصولا إلى العمل الضخم المعروف ب » معراجنامة  » أو كتاب المعراج و الذي أمر به سلطان هرات المعروف باسم شاه روخ  و الذي خصص كاملا لتصوير معراج النبي الأكرم و رحلته البديعة بدءا من مكة و وصولا إلى العرش الإلاهي … ولا يفوتنا في هذا الصدد ما قام الرسامون الشعبيون من إيران إلى تونس في رسم البراق و قصة المعراج على ألواح الزجاج و هي ألواح تباع في الأسواق الشعبية في المدن العربية الإسلامية القديمة …

 و أعتقد جازما أن الرسام التونسي محمد بن سلامة لم يخرج عن التقليد الذي يحتفي بالمعراج و لوحته الموجودة الآن في السينغال هي استكمال لهذا التقليد , بل واستكمالا لتلك الفتنة الرائعة التي أشار لها القرآن الكريم في سورة المعراج (( و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس )) صدق الله العظيم .

par Abdelhalim Messaoudi, mercredi 27 juin 2012, 12:09 ·

 

Publicités
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s