إلى روح الرفيق الشهيد … تونس والثورة بين مقاصد النهضة وسلطة المال الصهيوني الخليجي و الغربي

(1)

رحم الله الرفيق شكري بلعيد

يد الغدر إغتالته ، لتسكت صوته الثائر للأبد… و لكن روحه ستظل تلاحقهم و تؤرق منامهم ،

إن إغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد، إن كان بتدبير و فعل من السلفية الجهادية أو من لجان حماية الثورة أو غيرهما من التنظيمات التي أصبحت كثيرة في بلادنا هذه الأيام، فالثابت أن مسؤوليته الأمنية ترجع مباشرة لعلي العريض كوزير داخلية… و مسؤوليته السياسية و الأخلاقية ترجع لحزب النهضة و تحديدا لرئيسه راشد الغنوشي بإعتباره الحاكم الفعلي لتونس. و لكن بعد أكثر من أربعين يوم من إغتيال الرفيق الشهيد، يبدو أن لا أحد من هاذين الأخيرين تحمل مسؤوليته، إذ وقعت ترقية علي العريض لرتبة رئيس وزراء و لا زال الغنوشي يناور و يلتف على إستحقاقات الثورة و هاهو يقوم بإنجاز ثوري تاريخي : تشكيل حكومة خالية من السواحلية و ملآى بالجنوبيين كما يحلو لكثير من أعضاء النهضة المنتمين للجنوب التونسي أن يسموا أنفسهم.

لعل حمادي الجبالي، كان بإنسحابه الوحيد الذي تحمل مسؤوليته بعد فشل حكومته النهضوية و إغتيال شكري بلعيد،  هذا بالرغم من مشروعية التساءل عن كنه مبادرته لتشكيل حكومة غير متحزبة  و ما إنبثق عنها من معارك في صلب الترويكا الحاكمة و حزب النهضة المهيمن عليها. فهل مبادرة الجبالي كانت صادقة و مسؤولة و نابعة من حس وطني أم هي لا تعدو أن تكون ضربا من ضروب  الضحك على ذقون التونسيين و عملية إمتصاص-صدمة ممنهجة للتقليل من إرتدادات زلزال إغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد المدوي؟

chokri-belaid-500

(2)

لقد أغتيلت أحسن ما عندنا من كلمات كما أغتيل شهيد الوطن شكري بلعيد، أغتيلت كلمة النهضة و أعدمت معانيها و أطفأ نورها أن يضيئ الطريق لهممنا لننهض بشعبنا وو طننا و نتقدم. فكلمة النهضة أصبحت خاوية من كل دلالاتها، بعد أن إستعملها إخوان الإتجاه الإسلامي ليتجملوا بها و بعد أن إتخذوها إسما و عنوانا لا يشبههم… كلمة كانت من أجمل ما في اللغة العربية من كلمات و من أكثرها قوة و تعبيرا عن معاني التقدم الحضاري، قبل أن يقتلوا معانيها بإنتهازيتهم و دغمائيتهم و حقدهم و مشروعهم الرجعي  المستلهم من صحراء نجد و ربوع أرض الخوارج، بلاد مسيلمة الكذاب، مهد الوهابية والتكفير و النيهيلية

و لكن القومة آتية إنشاءالله، قومة هذا الشعب من أجل الحرية و العدل و التقدم …نقول القومة و لا نقول النهضة ،فلا نهضة تذكر من لدنهم.

(3)

نعجب لجماعة النهضة، بينما كانوا بصدد رفض مبادرة أمين عام حركتهم لتكوين حكومة تكنوقراطية ، تبجحهم بضرورة و قدسية الرجوع لمؤسسات حركتهم للبت في مبادرة هذا الأخير، و بالتالي لتقرير مصير تونس بجميع مكوناتها والتي هي في أغلبها الساحقة غير نهضوية ، و ذلك في محاولة لتعويد التونسيين على القبول بإستحواذ هذا الحزب على تونس.

المفارقة هي مفاخرتهم بمتانة مؤسسات حزبهم و تمسكهم بمجلس شورتهم، في نفس الوقت الذي يدمرون فيه بطريقة ممنهجة مؤسسات الدولة التونسية…

(4)

ثورة المتأسمين هي جمع المال، شعارهم ثروة و ثواب

حكومة تونس في العهد الأزرق تحصلت على ستة ألاف مليار مساعدات أي أكثر من أي عهد مضى، و لم تتمكن من بناء طريق أو قنطرة أو أدنى مشروع في الجهات الداخلية، و لكنها تمكنت في المقابل من بسط الطريق أمام شيوخ الوهابية لتفريخ دعاة و مجاهدين  صغيري السن و  قليلي المعرفة و الثقافة و فقراء ، يسهل شراءهم بالمال الخليجي، مهمتهم نشر الفكر الوهابي و المذهب الحنبلي، و كأن تونس بحاجة لمذهب آخر  خلاف مذهب الإمام مالك بمنحاه الأشعري التونسي  و الذي ورثناه و راكمناه منذ فجر الإسلام و منذ دخل الإسلام إفريقية .

و الأخطر في الأمر هو تجند و تعنت هؤلاء الدعاة الجدد لنشر فتاوى أساتذتهم شيوخ الوهابية السعودية و شيوخ الإخوانية القطرية العاملين تحت إمرة الإمبريالية و الصهيونية العالمية، بما لهم من سلطة البترودولار، كجواز تكفير المسلمين و قتلهم و مفاخذة الرضع و إرضاع الكبير و ختان البنات… و جهاد النكاح آخر فتاوى شيوخ الوهابية و البترودولار في حربهم على سوريا و شعبها و حضارتها… الخاسر في كل الأحوال هي أوطاننا و الضحية هم أبناء الشعب الفقير و المعدم

(5)

هناك الكثير ممن يعتبرون سالم لبيض، وزير التربية الجديد في حكومة النهضة الثانية برئاسة علي العريض، كأحد رموز الحقد الجهوي و وجوده في حكومة العريض دليل على البعد الجهوي المقيت لحزب النهضة و يعتبرونه أيضا إنبطاحيا و إنتهازيا حيث كان يتقرب و يتودد لنظام بن علي و يلمع أحذية السواحلية الذين يسبهم اليوم، وهو لم يكتب يوما سطرا ضد بن علي زمن حكم هذا الأخير.

ولئن أنكر سالم لبيض كل أقواله و تصريحاته الجهوية المقيتة، فالثابت و الموثق أنه خرج فجأة بعد الثورة ولبس جلد الثورجي و بدأ ينشر المغالطات و يحرض على الجهوية المقيتة، حيث قال مرة في مداخلة عبثية في برنامج تلفزيوني على قناة حنبعل أن الفسفاط يخرج من قفصة ليذهب للساحل و كأن أهل الساحل يأكلونه عوض الكسكسي كما قالت إحدى النساء أصيلة المهدية … هو مثل الكثير من المتملقين ، أصبح بين عشية و ضحاها من كبار الثوريين، بل أكثر من ذلك أصبح من الإستئصاليين والإقصائيين ، الذين لا مشروع لهم سوى حقدهم الجهوي المقيت، و لقد نسى أو تناسى أن الثورة جاءت من أجل تحقيق الكرامة و العدالة الإجتماعية لكل التونسيين و من أجل إصلاح ما فسد و المحافظة على ما أنجز و تطويره .

الكثير مما مايقولونه و يفعلونه، دعاة الحقد الجهوي هو بالقوة تحويل لوجهة الثورة وهو شكل من أشكال الثورة المضادة،  فهل جاءت الثورة  من أجل تكريس حكم تيوقراطي بخلفية جهوية ممن يسمون نفسهم بالجنوبيين ، كسالم لبيض هذا و حسين الجزيري الذي قالها صراحة في برنامج تلفزي، يوم دعى « بلدية العاصمة » للتحالف مع جنوبيي النهضة؟  و هل النهضة هي مجرد حزب جهوي يستعمل الدين الإسلامي ، دين كل التونسيين في الشمال و الجنوب و الوسط و الشرق و الغرب و على السواحل و في الدواخل و في الجبال و السباسب و الصحاري، فقط من أجل إيصال فئة جهوية إلى الحكم؟

في هذا الصدد، نشر سالم لبيض،  مباشرة بعد ١٤ جانفي٢٠١١ مقالا، في موقع الجزيرة نت، التابع للقناة المشبوهة الجزيرة  ( أنظر الرابط) – قل أين تكتب أقول لك من تكون – هو للأسف لا  يعدو أن يكون إلا دعوة لكسر وحدة التونسيين ، و لكسر مفهوم الوحدة الوطنية ،هذا المفهوم البورقيبي الذي يلوكه و يتباكى عليه اليوم جماعة النهضة و أخواتها من الأحزاب الذبابية كالمؤتمر بعد أن فرقوا بين التونسيين ، لأسباب سياسوية و إنتخابية و من أجل السلطة… و بعد أن إنقلبت عليهم الأمور و إنقطعت عنهم السبل.

http://www.aljazeera.net/pointofview/pages/19bc73e7-36b5-43af-a34c-65227008dcac

و لعل ما وقع لحمادي الجبالي من معارضة و سب علني من طرف بعض أعضاء حزبه و من طرف الأحزاب الحليفة لحزبه الجهوي… هو من قبيل النعرة الجهوية كونه أصيل الساحل التونسي… فلم يشفع للرجل نضاله الطويل صلب هذا الحزب و السبعة عشرة سنة التي قضاها في سجون بن علي.

(6)

لعلنا نعيش في تونس ما بعد ١٤ جانفي ٢٠١١، مرحلة العهر الفكري و إنقلاب المفاهيم و المبادئ  و البديهيات إلى حد العبثية… تارة بخطابات سفسطائية و تارة أخرى بأعمال غبية… و في كلتا الحالتين بفكر لافكري، ببغائي مستورد، لايضع أصحابه نصب أعينهم مصلحة تونس و شعبها بل يعملون بقصد أو بغير قصد، وفق أجندات معادية لأوطاننا و عرقنا و ديننا؟… نحسبهم كالبيادق يحركون مرة بإسم الدين ومرة بإسم نقض الدين، و النتيجة بالضرورة ليست في صالح الدين و ليست في صالح أوطاننا و شعوبنا – نقول أوطاننا، كوننا ننتمي لنفس المنظومة الحضارية و إن إختلفنا-

فمن هم هؤلاء الذين يُحَرّكون و من يُحَرّكُهم ؟

هؤلاء و أولائك، هم حتما في خانة الثورة المضادة. كُثر الذين يعادون ثورة الشعب التونسي من أجل كرامته و حريته و من أجل العدل و المساواة و الديمقراطية و الرفاه الإجتماعي و الإقتصادي، منهم من هم معلنون  كأزلام العهد البائد و زبانيته و باروناته في الداخل و كالأنظمة التي لا تعجبها ثورة تونس و لا تريد لها النجاح  في الخارج ، هم حتما خطيرون و لكنهم ليسوا بالأخطر لأنه يسهل معرفتهم و يسهل تحديد الجهات التي ينتمون إليها و بالتالي التصدي لهم و لأطروحاتهم بتعبئة الشعب الثائر ضدهم … و لكن الأشد خطرا هم المتخفون بيننا وراء الثورة  بالشعارات الثورية الرنانة و الذين  يصورون أنفسهم  و قد نتصورهم  نحن كذلك من أبناء الثورة مثلنا، بينما هم مرتبطون من حيث يعلمون أو لا يعلمون  و من حيث لا نعلم بأجندات غير وطنية و يمكن حصرهم في شقين متناقضين فكريا و مرتبطين أنطولوجيا، لا يكون أحدهما ما لم يكن الآخر. و ما يجمعهما هو إرتباطهما بالصهيونية العالمية، تحركهما كيفما أرادت ، متى أرادت و أينما أرادت من أجل مصالحها و من أجل الرأسمال المعولم المتصهين و في آخر الأمر من أجل أن تسود إسرائيل على أوطاننا.

الشق الأول مرتبط بالصهيونية العالمية ، في شكلها الصهيووهابي و الإخواني القطري ، مرتهن للبترودولار الخليجي ، لا يهمه المحافظة على بلادنا و ركائزها الحضارية و ما تحقق من إنجازات و إصلاحات و بناء و إستكمال المسيرة نحو مزيد الإنجاز بنفس تقدمي و بناء إنسان تونسي و عربي جديد متأصل في أرضه و في  حضارته، يضع في أول أولوياته العلم و التكنولوجيا،  حتى يتساوى مع الذين يعلمون و نقصد الشعوب المتقدمة التي تخوض اليوم تجربة النانو اللامتناهية الصغر و  تبحر في الآن نفسه في اللامتناهي الكبر و تغزوا الفضاء. بل هو يرضى بقصد و بغير قصد ، و بمفعول المال الخليجي العفن، أن تستعمله تلك الدوائر الصهيونية المعادية لأوطاننا و شعوبنا و ديننا و مستقبلنا، للرجوع بنا مئات السنين إلى الوراء و لإبقائنا في خانة الخلافات الإستحمارية و الغوغائية و لإفراغ ديننا من مكامن القوة فيه و نقصد أبعاده الروحية و العقلية و الإبداعية و صفات التسامح و التحابب و السلام الموحدة للمسلمين ، و من ثمة و بإسم الدين، و الدين منهم براء، يعمل هؤلاء على إثارة الفتن و على إثارة المسلمين بعضهم على بعض و بالتالي على تقسيم الوطن الواحد

و أما الشق الثاني، فهو كالأول مرتبط كذلك بالصهيونية العالمية، و لكن في شكلها  الإستخباراتي و المالي الغربي، وهو شق مغالي في معاداة الدين و الأخلاق و الضوابط الإجتماعية، أفعاله و أقواله تأجج الصراع و تفرق ذات البين بين أفراد الشعب الواحد، كفتيات فيمن العاريات الصدر بإسم الحرية، أو أولائك المنادين بإسم الحداثة بزواج المثليين،  بعدم دسترة الإسلام كدين  للدولة التونسية. و الحداثة  منهم براء.

الشقان متلازمان كالنار والزيت  من أجل إشعال نيران التفرقة في مجتمعاتنا و توتير الأجواء و تصعيد التطاحن الديني-الإجتماعي ، فهم و بكل بساطة يعملان بمسميات و بقنوات مختلفة، لحساب نفس الدوائر الصهونية العالمية التي تسعى بلا كلل و لا ملل إلى تديين الصراع حول الحق الفلسطيني و تأجيج حرب دينية بين الشرق و الغرب يكون المسلمون الخاسر فيها لضعفهم و لتخلفهم

ن. مسعود

مجموعة من النصوص القصيرة المنشورة على الفايسبوك تفاعلا مع الأحداث السياسية الأخيرة

Publicités
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s