الفرصة الثانية لدولة بورقيبة، و لكن عن أي دولة بورقيبة نتحدث ؟

(1)

والتونسيون، بصدد تفضيل حزب نداء تونس (1) وربما إنتخاب زعيمه الباجي قايد السبسي كرئيس للجمهورية، لإدارة المرحلة المقبلة الشديدة الصعوبة، فهم مبدئيا بصدد محاولة إنقاذ تونس التي أسسها بورقيبة صحبة ثلة من السياسيين المناضلين ، تونس العصرية التى كبرنا على أرضها وتربينا على حبها و التي تأسست بالصبر و العمل و التضحيات و العرق، رغم شح الإمكانيات و الثروات، و التي إنبنت بسواعد و فكر أبنائها و نخبتها المتشبعين بالمبادئ الوطنية .

و لكن عن أي دولة بورقيبة نتحدث؟ فالمرحلة البورقيبية صاغت أكثر من دولة بأكثر من توجه.

الدولة البورقيبية التي أراد التونسيون إنقاذها في إنتخابات 2014 هي تلك التي يمثلها الباجي قايد السبسي، وهي في حقيقة الأمر دولة بورقيبة في صيغتها الكولونيالية التي إنبثقت مباشرة بعد سقوط الدولة الإشتراكية في أواخر الستينات، وهي  تحديدا الدولة التي أسستها وسيلة بن عمار و الفرنكوفيليون « Les francophiles » في رحاب النظام البورقيبي بالتحالف مع ما يسميه القاموس السياسي في أمريكا اللاتينية  بالكمبرادور Les Compradors – و هم طبقة من سماسرة وتجار، لا قيم تحكمهم سوى المصالح – ، الذين يسيطرون منذ ذلك الوقت على مسار و خيارات الدولة التونسية.

لقد إستطاعت هذه الدولة الكولونيالية منذ 1968 كتم كل نفس تحرري شعبي أتت به دولة الإستقلال الأولى. و لقد تواصلت لما يفوق الأربعين سنة و إلى حدود 14 جانفي 2011، أين قامت ضدها و أسقطتها « ثورة » إجتماعية – سرعان ما وقع الإلتفاف و الركوب عليها و تحويل وجهتها – ، كانت تطالبها بالعدالة و المساوات و بالتشغيل، أي بلعب دورها كدولة راعية.

اليوم، و الدهر يهدي الباجي قايد السبسي فرصة تاريخية للعب دور هام في إنقاذ تونس من براثن  الأخونة و الوهبنة و الصوملة، وهو ليس الأحسن، و لا الأذكى، و لا الأنظف، و لا الأطهر من بين رجالات بورقيبة، فعلينا ألا نتجهّم و نسخط و نرفض ما أفرزه الواقع و إرادة الشعب  – فلديمومة الديمقراطية و لترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة لا بد من خروج حزبي النهضة و المؤتمر من الحكم (2) – و هنا يمكننا أن نبرر موقف التونسيين بالإستناد إلى براغماتية هي في صميم الثقافة التونسية كتلك التي نجدها في المثل الشعبي القائل «  إذا ذيل الكلب يقطعك من الواد، آش يهمك في نتونتو  » -.  و لكن ربما علينا أيضا أن نحسن الظن بالرجل بما أن باب التوبة مفتوح و بما أن غيره من رجال السياسة، ومن المناضلين و المعارضين الحقيقين من الديمقراطيين و من الإشتراكيين و اليساريين، إلخ ، لم يقدروا على لعب أي دور فعال للحد من هيمنة حزبي النهضة و المؤتمر و تغولهما طيلة ثلاث سنوات على الدولة و على الشعب – رغم أنهما لا يمثلان في حقيقة الأمر إلا جزءا قليلا من التونسيين . اليوم لا بد من  تمييز و فهم إيجابيات صعود نداء تونس لسدة الحكم و تثمينها، فبالحد الأدنى سيكون الجدل السياسي في تونس طيلة السنوات الخمس القادمة مرتبط بالجانب الدنيوي لا الديني، و سنناقش كتونسيين و نتعارك و نتخاصم سياسيا حول إشكاليات إقتصادية و إجتماعية و تنموية، لا حول مسألتي الهوية و الدين المحسومتين منذ قرونَ!

نرى أن الشعب التونسي أعطى فرصة ثانية لدولة بورقيبة في نسختها الليبرالية  ( إقتصاديا)، بعد أن رأى الويلات و العجائب و المهازل إبان حكم ما يسمى بالترويكا – أي التحالف الإسلاموي-اليوسفي بين النهضة و المؤتمر -، وبعد أن إستشعر خطر الإرهاب المحدق يهدد كينونته و وجوده كشعب، فغريزة البقاء هي من حركت التونسيين.

حينئذ، لا بد من القول أنّ  من واجب حزب نداء تونس وهو المنتصر في الإنتخابات، و من واجب الباجي قايد السبسي بالخصوص وهو يتأهب لخوض الإنتخابات الرئاسية،  أن يكون في مستوى المسؤولية و يعمل من أجل المحافظة على إنجازات جمهورية دولة الإستقلال التي أسسها الزعيم الراحل بورقيبة، و نقصد هنا  الدولة الإجتماعية الحشادية التي وضع أسسها الوزير الأسبق  و الزعيم النقابي أحمد بن صالح  و التي  قامت الثورة من أجل إعادة تفعيلها، وهي الدولة التي لا تزال معالهمها واضحة إلى الآن على الأقل في ميادين التعليم و الصحة و الرعاية الإجتماعية  – نطلب منه  ذلك رغم مفارقة أنه كان من بين الذين تآمروا على بن صالح و أسقطوه في أواخر سنوات الستين من القرن الماضي -. كما عليه من جهة أخرى، أن يحافظ على إنجازات ثورة 14 جانفي التي حققها الشعب بمفرده و بلا زعامات، أي فيما يخص الديمقراطية و الحريات و حرية الفكر و التعبير و بما هي ثورة كرامة و عدالة.

و هنا لا بد من التشديد على الدور القادم الذي يجب أن يلعبه الإتحاد العام التونسي للشغل و الأحزاب الإجتماعية و اليسارية و العمالية من أجل الدفاع عن الحقوق الإجتماعية للتونسيين و من أجل الدفع نحو إعتماد سياسات إجتماعية و إقتصادية من شأنها تحقيق العدالة الإجتماعية و التنمية المستدامة في جميع الجهات و خاصة المحرومة، و بين جميع فئات الشعب و خاصة الفقراء منهم، وكذلك من أجل إعادة تفعيل مفهوم الدولة الراعية و تفعيل دورها في البناء الإقتصادي و الإجتماعي و في بسط سيادتها على موارد البلاد و ثرواتها، و في الإشراف على القطاعات الإستراتيجية و أيضا مزيد دفعها من أجل لعب دورها التعديلي في القطاعات الإقتصادية المفتوحة على الإستثمار الخاص.

من اليسار إلى اليمين: صالح بن يوسف، الحبيب بورقيبة ، فرحات حشاد. ثم الباجي قايد السبسي، وسيلة بن عمار، و أحمد بن صالح.

من اليسار إلى اليمين: صالح بن يوسف، الحبيب بورقيبة ، فرحات حشاد. ثم الباجي قايد السبسي، وسيلة بن عمار، و أحمد بن صالح.

(2)

يتعرض حزب نداء تونس في إطار المعارك الإنتخابية الحالية، و خاصة بعد فوزه في الإنتخابات التشريعية و ترشح زعيمه للإنتخابات الرئاسية، للكثير من الهجومات و النقد، خاصة من طرف أنصار النهضة و المؤتمر و من لف لفهم من أحزاب إسلامجية و عروبية ذات جذور يوسفية و كذلك من بعض الأحزاب « الديمقراطية » المنهزمة في نفس هذه الإنتخابات ، و التهمة الرئيسية الموجهة له هي إمكانية تغوله في حال فاز الباجي قايد السبسي و أصبح رئيسا لتونس. – وذلك رغم وجود كتلة معارضة كبيرة بـ 69 نائبا يمكن أن تشكلها النهضة في البرلمان، لم تكن موجودة إثر الإنتخابات الفارطة.

على أية حال، و من ناحية المبدأ. أن ينبه هؤلاء و أولائك من تغول نداء تونس فكل الحق لهم، و لا يمكن إنكار مشروعية تخوفاتهم، و علينا كتونسيين، باليقضة المستمرة ضد كل أشكال التغول أي كان مأتاه، أن يتحفظوا على سن الباجي قايد السبسي فذلك مفهوم أيضا، و أن ينقدوا برنامجه الإنتخابي فذلك عين الصواب، و لكن أن يستعملوا مرة أخرى ما يسمى بـ « الفتنة اليوسفية » التي مر عليها أكثر من 60 سنة، لتبرير مشروعيتهم الإنتخابية « الآن و هنا »، و في سياق تاريخي و سياسي و إجتماعي مختلف، فذلك يكون ضربا من ضروب التحيل على العقل. فهؤلاء الذين يعارضون بورقيبة حتى بعد مماته و لحد هاته الساعة بسبب اليوسفية، و يرفضون كل الإنجازات التي حققتها دولة الإستقلال للتونسيين و لا يرون إلا 60 سنة من » الخراب »، هم نفسهم الذين يهاجمون الباجي قايد السبسي على الصحافة و على المواقع الإجتماعية، فقط للحد من حضوضه في الإنتخابات الرئاسية، بسبب مشاركته كوزير داخلية خلال ستينات القرن الماضي في التصدي لليوسفيين و خاصة بعد محاولة إنقلاب 1962 ، و يتهمونه شخصيا، و بطريقة بعدية a posteriori ، و جد سياسوية، بالإشراف على القمع و التعذيب. نحن قطعا ضد كل أشكال القمع و التعذيب – و خاصة نحن ضد الإغتيالات السياسية – لكن جماعة الترويكا التي تعمد في خضم هذه الإنتخابات إلى فتح جروح الماضي، وذلك من باب البروباغندا الإنتخابية لا غير، لم نرها تفعل شيئا ذا فائدة طيلة سنوات حكمها لتحقيق العدالة الإنتقالية و محاسبة كل من أخطأ في حق تونس و التونسيين – بل كان ملف العدالة طيلة حكمها، مادة للسمسرة و للتفاوض من أجل تحقيق مكاسب سياسوية و مادية لعديد الأطراف -. 

الحقيقة أن منافسي  نداء تونس و منافسي الباجي قايد السبسي في الإنتخابات الرئاسية  يستعملون في إطار معركتهم الإنتخابية،  من أجل تبيان عدم صلوحية قايد السبسي لرئاسة الجمهورية، حجج جد قابلة للنقد و ليس نقدا للبرنامج الإقتصادي و السياسي و الإجتماعي لهذا الحزب. يقولون مثلا أن الباجي عذب اليوسفيين، و عليه، فعلينا بإنتخاب المنصف المرزوقي « صمام الأمان » ضد الإستبداد بما أنه سليل اليوسفية  » العريق »! . هذا كلام غير وازن سياسيا على أرض الواقع الراهن  لأنه « أناكرونيك » Anachronique ، ولأن كل ذي عقل يمكنه أن يفهم بسهولة أن كل دولة تحترم نفسها، هي مجبرة على الدفاع عن سلامتها من كل محاولة إنقلاب أو إغتيال لرئيسها، و ستتصدى لكل من قام بذلك بواسطة أجهزتها و عن طريق مسؤوليها، و خاصة وزير داخليتها. فموضوعيا لم نر أو نسمع بطرق أخرى أستعملت في تلك الفترة أو في الراهن الحاضر، حتى في أعرق الديمقراطيات، ضد من يتآمر على أمن الدول و إستقرارها، غير طرق القمع و الإعدامات.

بشكل أوسع، و من خلال القراءة الموضوعية لتلك الفترة التاريخية ، أي فترة المعركة البورقيبية-اليوسفية، لا يمكن الإقتناع العقلاني بأحقية اليوسفيين، و خاصة أنه لا معالم واضحة وحقيقية  » للمشروع السياسي » لصالح بن يوسف، و لا يمكن فهم  – بالمعنى السياسي – المواقف المتعنتة و الثورجية لهذا الوزير البورجوازي السابق في حكومة الباي – و لقد كان وزيرا تحت الحكم الفعلي للمقيم العام الفرنسي -، و رفضه القطعي لوثيقة الإستقلال الأولى ثم للإستقلال التام، إلا من زاوية مصلحته الذاتية و من منظور « الإيقو » Ego المتعاظم لديه. لذلك، و من وجهة نظر فكرسياسية، فاليوسفية تتراءى كشيء هلامي لا معنى سياسي و لا وزن فكري له، و تتشكل تاريخيا كنوع من « البرزيت » Parasite المشوش الذي عطل تقدم الدولة العصرية التي أراد بورقيبة و نخبة الإستقلال تأسيسها. حيث ساهمت في وأد كل توجه ديمقراطي كان من الممكن أن ينبثق في ذلك الوقت… لذلك نرى أن مزاعم صالح بن يوسف  و طموحاته الشخصية في الحكم بدون مشروع مقنع، و إرتماؤه التكتيكي في رحاب الفكر القومي الناصري الإشتراكي ، وهو الدستوري الليبرالي و الفرنكوفوني ، من أجل بلوغ الحكم،  سرعان ما إنكشفت من حليفيه عبد الناصر و بن بلة… و لقد حضر الرجلان للإحتفال بعيد الجلاء مع بورقيبة في بنزرت، أشهر قليلة بعد إغتيال هذا الأخير من قبل المخابرات التونسية في برلين، و لقد كان ذلك بعلم المخابرات المصرية و الجزائرية… لأسباب منها السياسي الواقعي و منها مايندرج ضمن الحكايات الصغيرة التي تملأ التاريخ.

بن يوسف – مثل النهضة – لم يقبل قط دور المعارض و لم يقم به بالمعنى السياسي السلمي، بل أراد قلب الموازين لصالحه بسرعة و بالقوة – فمعركته مع بورقيبة كانت معركة مسلحة – من أجل المسك بزمام السلطة و مقاليدها بدون تأخير، و هذا ما ميز الممارسة السياسية لحزب حركة النهضة منذ إنبعاثه ، و نعني عدم تقبل فكرة المعارضة السلمية، بل العمل السياسي السري للوصول بأقصى سرعة للحكم عن طريق الإنقلاب – و أخيرا و من حسن الحظ عن طريق ثورة شعبية لم يقدها – . اليوم و بخروجه من الحكم، تسنح لحزب حركة النهضة فرصة تاريخية ليتعلم  بتأن المعارضة بصفة سياسية و ديمقراطية وليعيد بناء نفسه كحزب سياسي مدني يؤمن بالتدوال السلمي على السلطة.

قبل أن ننهي، لا بد أن نعترف بأن دولة بورقيبة كانت في نهاية الأمر دولة كولونيالية ، والوحيد من جيل الإستقلال الذي أسس لفكرة التصفية الهيكلية للإستعمار هو الزعيم النقابي و الوزير الإشتراكي أحمد بن صالح و قد قع تصفيته سياسيا في الإبان… و لكن علينا في الآن نفسه أن نعترف أن دولة بورقيبة الكولينيالية هذه كانت مع ذلك، ذات رؤية و مشروع و تتمتع بفكر سياسي، تفهم التوازنات الجيوسياسية  العالمية و كيفية التعامل معها، و تبحث في حدود الممكن عن مصلحة شعبها و تنظر دائما نحو المستقبل و هي أيضا دولة وطنية تقدمية في أكثر من معنى، وهي و بشكل متناقض – و من المفارقات –  ذات سيادة – رغم محدودية قوتها و إمكانيتها – تمارسها و تعبر عنها ولو بصفة نسبية على أرض الواقع.

هذا يجرنا إلى الإشارة ، أن معضلة أعداء بورقيبة السياسيين ذوي الجذور اليوسفية من الإسلامويين و العروبين، أنهم ينقدون الشيء ثم يأتونه، فلاطالما إنتقدوا « تبعية » بورقيبة و « عمالته » للغرب الكافر و الإمبريالي، و لكلنه عندما قدموا إلينا من العواصم الغربية بعد 14 جانفي 2011 – إثر الهدية التاريخية التي قدمها لهم الشعب التونسي- و تقلدوا السلطة، لم يكن لهم أي مشروع للدولة الوطنية ذات السيادة، و لم يكن لهم أي تصور لتونس يدخل في إطار التحرر من الإستعمار، بل جاؤونا وهم يبشرون  بإستعمارات جديدة و بدولة في شكل إيالة مرتهنة للغرب، تساق من الباب العالي و من دويلة قطر. و جاؤونا، وهو الأمرّ و الأدهى، وهم يروجون لثقافات رجعية ماضوية قادمة من أعماق الصحراء، ثقافات هي بالقوة a fortiori مضادة للثورة التي يحاول الشعب إنجازها.

ن. مسعود

(1) إنتصار حزب نداء تونس في الإنتخابات التشريعية 2014

(2) لا أذكر التكتل، لأنه إكتفي بدور التياس، و من حكم تونس فعليا هو حزب واحد في إثنين ،أي حزب الإخوان المسلمين في تونس بفرعيه النهضة و المؤتمر.

Publicités
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s