حكاية إسقاط أحمد بن صالح، أهي فقط تراجيديا واقعية، أم حجر أساس كل السياسات الإقتصادية النيولبرالية في تونس؟

الوزير أحمد بن صالح مع الرئيس بورقيبة خلال إحدى الزيارات الميدانية

الوزير أحمد بن صالح مع الرئيس بورقيبة خلال إحدى الزيارات الميدانية


(1)

 يقال أن التاريخ لا يذكر إلا المنتصرين الكبار أو المنهزمين الكبار

 ذات مرة عقب 14 جانفي 2011 ، على حائطه الفايسبوكي، كتب عدنان منصر – الذي أصبح فيما بعد مستشار المنصف المرزوقي   في رئاسة الجمهورية المؤقتة إبان حكم الترويكا، و كان أحد « أصدقائي » الإفتراضيين – عن « … فشل التجربة الإشتراكية…  » التي خاضتها تونس في الستينات، وكان ذلك في معرض كلام عن موضوع لم أعد أذكر فحواه… و لقد سألته، إعتراضيا، و هل هناك دراسات أكاديمية تثبت فشل هذه التجربة؟ فأجابني بكل ثقة بأن « هذه التجربة قتلت دراسات و تبين فشلها »… حينئذ علمت توجه هذا الأخير و علمت أنه لا يعلم شيئا في أمور البناء الإقتصادي المنتج و لا يعلم شيئا عن مسألتي السيادة الوطنية و التحرر الشعبي، وهو الأستاذ الجامعي المتخصص في التاريخ

و لا زلت أتساءل لماذا لا يجرأ الكثير من العارفين و السياسيين  على الإعتراف بأن التجربة الإشتراكية التونسية التي قادها النقابي و الوزير الإشتراكي أحمد بن صالح، رغم ما قد يكون شابها من هفوات، كانت تجربة قيّمة و قادت تونس إلى الإنتاج و خلق الثروة في مدة لم تتجاوز الـ 5 سنوات، رغم محدودية إمكانياتها المالية و قلة ثرواتها الطبيعية، و جسدت مشروعا وطنيا متكاملا يجمع الإقتصادي بالإجتماعي و بالثقافي و يرتكز على مفاهيم التحرر الشعبي و التصفية الهيكلية للإستعمار- وهي مفاهيم أوجدها أحمد من صالح إنطلاقا من خلفيتيه النضالية الدستورية و النقابية -. طوال عقود و إلى اليوم، وبينما لا يزال يعتم على هذه التجربة الرائدة، و يتفادى تقييمها موضوعيا في تونس و في جامعاتها، نجدها تدرس و تدرّس في الجامعات الأمريكية و الأوروبية. هل هي الحسابات السياسية، أم هي المعاداة الجذرية، المرتهنة لإرادات خارجية معينة، لهكذا سياسيات؟

تزامن إسقاط بن صالح و إيقاف برنامجه الإقتصادي و الإجتماعي الإشتراكي – و الذي سبق أن تبنته الدولة التونسية و الحزب الدستوري بالإجماع – مع أوج إشتعال الحرب الباردة، و مع ما كان يحصل في أمريكا و في الدول الغربية الرأسمالية، في أواسط الستينات، من إستعداء للتجارب الإشتراكية و مقولات إقتصاد الدولة و سيادة الدول، وذلك في سياق توجهات سياسية عالمية قادتها دوائر نافذة في أمريكا، و كذلك على خلفية تصلب فرنسا – الإستعمارية – إزاء الإستقلال الفعلي لمستعمراتها القديمة في إفريقيا، و بالتحديد فيما يخص إستقلالها الإقتصادي، و ضرورة إبقاء هذه الدول المستقلة حديثا تحت السلطة و النفوذ الفرنسي، في إطار ما تعارف على تسميته بالـ فرانس-أفريك.  في هذا السياق الجيوسياسي وقع إنهاء التجربة الإشتراكية التي أطلقها أحمد بن صالح، بعد أن وقع التآمر عليها محليا، و بشتى الوسائل، لإفسادها قصد إفشالها، و وقعت التضحية  بأحمد بن صالح إلى حد إتهامه كذبا و بهتانا بالخيانة العظمى، و إلى حد السعي لإيصاله إلى حبل المشنقة

لعل هذه السياسات الغربية المناوئة لمقولات إقتصاد الدولة و الدولة الراعية، تفعلت أكثر بعد إغتيال جون كينيدي المتبني لهكذا مقولات و المتبني لفكرة إستقلال الشعوب، و بعد خروج الجنرال ديغول من سدة الحكم إثر ثورة ماي 68 ، وهو الذي كان من المدافعين عن هذا الشكل للدولة بما أنه من ركائز السيادة الوطنية التي يؤمن بها ديغول أيما إيمان، وكذلك بعد هزيمة جمال عبد الناصر سنة 1967 و بعد إغتياله فيما بعد بالسم في إطار الصراع العربي الصهيوني

بورقيبة الذكي و البرقماتي كان واعيا بالتوجهات الإمبريالية الجديدة التي أصبحت تهيمن على السياسات الخارجية للأمريكيين و للفرنسيين، و كان بين مطرقة التمسك بالخيارات الإشتراكية المنتجة للثروة الحقيقية التي لمسها حقيقة على أرض الواقع، و عدم الرضوخ للضغوطات مع إمكانية إسقاطه من الحكم و قلب نظامه ، و سندان التخلى عن بن صالح رغم علمه بصحة خيارات هذا الأخير، و البقاء في الحكم و المحافظة على الدولة التي أسسها، … فإختار تعديل  السياسة و وقع إسقاط بن صالح و توقفت التجربة الإشتراكية

و رغم الإقتناع العقلاني بالتجربة الإشتراكية التي قادها بن صالح، تخلى الزعيم بورقيبة عن هذه التجربة و تخلى أيضا عن بن صالح نفسه بطريقة تراجيدية، خصوصا بعد أن إشتغلت الآلة السياسية المحافظة في الحزب و في الدولة – تلك المرتبطة بالتوجهات العالمية الجديدة في الغرب، و بدوائر سياسية فاعلة في فرنسا: المستعمر القديم – ضد الوزير الإشتراكي، و بعد أن قامت البروباغندا بدورها في نشر الإشاعات و الأكاذيب و تعبئة الرأي العام خاصة ضد برنامج التعاضد، التي أراده بن صالح كتجربة متأنية و على مراحل ، لإرتباطه بمسألة الملكية الشديدة الحساسية، في حين قرر بورقيبة تسريعه و تعميمه في جميع مناطق البلاد و في جميع القطاعات الإقتصادية

و تسارعت الأحداث و إنقلبت الأمور بين عشية و ضحاها، و تقرر إيقاف بن صالح سنة 1969 و رميه في السجن، بدون جرم موضوعي إرتكبه غير تحمسه لمشروع إقتصادي و إجتماعي ناجح بكل المقاييس، و لقد وجهت له بهتانا تهمة الخيانة العضمى، و وصل الأمر لحد مطالبة البعض من زملائه(1) في الحكومة بإعدامه، إلى أن « حرر » نفسه – كما يحبذ أن يصف هروبه من السجن – و لجأ إلى الجزائر تحت حكم الهواري بومدين… و لكن برغم الإنقلاب البورقيبي، أو بالأحرى الوسيلي(2)، على بن صالح و الذي كلف الزعيم بورقيبة أزمة نفسية حادة بسبب حبه و تقديره لبن صالح و إيمانه التام بوطنيته و إخلاصه و تفانيه في خدمة تونس(3)، فلقد بينت هذه المحنة الجديدة التي عاشتها دولة الإستقلال في أواخر الستينات، – بعد الفتنة اليوسفية، و بعد محاولة إنقلاب 1962 -، و رغم صبغتها التراجيدية، الكثير من الحنكة السياسية لدى بورقيبة، حيث تمكن من المحافظة على حكمه من التهاوي، و ضمان إستمرارية الدولة التي أسسها، بأن ضحى بالجزء لإنقاذ الكل. كما أنها بينت، من ناحية اخرى، حجم التحولات التي وقع إقرارها عالميا و إقليميا فيما يخص الخيارات الإقتصادية للدولة التونسية، و رضوخ أو تبني شريحة من الساسة و المسؤولين في تونس لهذه السياسات التي ستتواصل لعقود

لقد إنهزم بن صالح من طرف قوى القصر ووقع إبعاده، و هزيمته تشبه هزائم كثيرة مني بها أناسا ذوي قيمة، من طرف أناس أقل منهم شأنا، التاريخ يذكرنا عبر الدراما التركية في مسلسل « حريم السلطان » ، أن زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني، بفضل ما كانت تتمتع به من قدرة على التأثير على السلطان، و على التآمر، إستطاعت بمساعدة رجال في الدولة موالين لها، أن تبعد الوزير الأكبر إبراهيم باشا، وهو السياسي المحنك و القائد العسكري الكبير، و ثم ولي العهد مصطفى الإبن الأكبر للسلطان، الأمير الشجاع و المحبوب و الأكثر أهلية لخلافة أبيه، و كانت نهايتهما القتل بأمر من السلطان نفسه، في مشاهد دراماتيكية بأتم معنى الكلمة. التاريخ لا يزال يذكر الباشا إبراهيم و الأمير مصطفى، كما يذكر حنبعل و يوغرطة و جمال عبد الناصر و صدام حسين… و يذكر التاريخ السياسي في تونس، و سيذكر طويلا، المناضل الدستوري و النقابي و الوزير الإشتراكي الأسبق أحمد بن صالح. التاريخ لا يحفظ ذكر هؤلاء فقط لأنهم إنهزموا، فهو ملآن بآلاف المنهزمين النكرات، بل لأنه مثلما لا يذكر إلا المنتصرين الكبار، فهو لا يذكر إلا المنهزمين الكبار، أي أولائك الذين كانوا يملكون فضائل الصفات، كالشجاعة و الذكاء و الصدق، و أولائك الذين كانت لهم مشاريع حقيقية آمنوا بها و ضحوا و إنهزموا و ماتوا من أجلها.

(2)

من بين الأكذوبات التي ترسخت في الوعي الجمعي التونسي بسبب الإعادة و الإفادة ، إلى جانب أكذوبة فشل توجهات بن صالح الإشتراكية ، هي حتما أكذوبة عبقرية الهادي نويرة الإقتصادية، و الحال أن التوجه الإقتصادي لنويرة هو الذي تسبب في الأزمات الإقتصادية و الإجتماعية التي تتالت على تونس منذ 1975 و إلى حدود يومنا هذا، مرورا بالأزمة الإجتماعية لسنة 1978، ثم أزمة الخبز لسنة 1984، ثم الأزمة الإقتصادية التي سبقت إنقلاب 7 نوفمبر، ثم إنخراط تونس في منظومات البنك الدولي النيولبرالية و الإستهلاكية، و التي أدت إلى تفقير قطاعات واسعة من التونسيين، وحرمان الجهات الداخلية من التنمية المستدامة … الهادي نويرة أتى بقانون 72 وخفض الدينار و خلق صندوق الدعم ، لجعل رواتب التونسيين منخفضة وذلك لتشجيع الإستثمار الخارجي. لقد قضى التونسيين 4 سنوات فقط هنيئة في عهد نويرة وهي الأربع سنوات الأولى حتى سنة 1974، حيث ورثت حكومته الثروة الإنتاجية التي خلقتها مشاريع الدولة الإشتراكية التي أطلقها الوزير أحمد بن صالح … حينئذ نستطيع القول أن دولة الستينات الإشتراكية هي دولة خلق الثروة و دولة الإنتاج و السيادة الإقتصادية – الدولار كان يساوي 200 مليم – ، و دولة السبعينات هي دولة الإستهلاك والتبعية الإقتصادية، و لولا الركائز الإجتماعية و الإقتصادية القوية لدولة الستينات الإشتراكية و التي مثلت مكاسب دخلت اللاوعي الجمعي للتونسيين على الأقل فيما يخص التعليم و الصحة المجانيين، حتى لا نتكلم على سلطة الدولة على ثرواتها الطبيعية و أراضيها، و فيما يخص مسؤليتها كدولة راعية و مخططة و معدلة ، لكنا دخلنا عهد الكمبرادورية المهيمنة التي رأيناها إبان حكم بن علي و التي نراهها تتواصل اليوم بأقصى سرعة، منذ سبعينات القرن الماضي.

(3)

على الشعب التونسي و فئاته الفقيرة من الفلاحين و المهمشين في المناطق الريفية و في المدن، أن يعوا خطورة  ما يقع الترويج له من ضرورة القيام بإصلاحات إقتصادية « مؤلمة »، والمقصود بمؤلمة، إلى جانب مزيد إضعاف القدرة الشرائية للمواطنين، هو إستنزاف الرأسمال الوطني المنتج و الخالق للثروة، سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص، بالتفويت في الشركات الوطنية الكبرى التي هي على ملك الدولة في مجالات الصناعة و المناجم و خدمات النقل و الإتصال، و كذلك التفويت، عقاريا و تجاريا، في الوحدات الفندقية السياحية الخاصة، ذات المديونية، للمستثمرين الأجانب و الشركات العالمية العابرة للقارات، و أيضا، وهو الأكثر خطورة، التفويت في الأراضي الفلاحية للأجانب – بعد خمسين سنة من الجلاء الزراعي -. الكمبرادور النيولبراليون، في تونس، أولائك المنتمون لأحزاب اليمين الليبرالي كنداء تونس(4) و آفاق و الإتحاد الحر، و المنتمون، في شقهم الديني و المحافظ، لأحزاب النهضة و المؤتمر و من والاهم من حزيبات وفاء و التيار الديمقراطي، إلى جانب إتحاد الصناعة، ممثلا في وداد بوشماوي، لا يرون مانعا في مبدإ فتح باب تملك الرأسمال المعولم – بما فيه الصهيوني – للشركات الإستراتيجية و للعقارات و الأراضي، بل هم يدفعون نحو ذلك بكل قوة، و بعنوان الإصلاحات « المؤلمة » . وهنا نتوقع أن القوى اليسارية و الوطنية داخل حزب النداء ستكون في مواجهة مع قوى الكمبرادورية داخله، و على الشعب و الأحزاب اليسارية، الإشتراكية، والشيوعية و الإجتماعية-الديمقراطية، و العروبية الإشتراكية، المناضلة، و كذلك النقابات العمالية و على رأسها الإتحاد العام التونسي للشغل، أن يساندوا هذه القوى اليسارية و الوطنية و يكونوا السد الذي يمنع هكذا مشاريع.

الثورة التي نحن بصددها، لم تقم قطعا من أجل إعادة الإستعمار، تحت أي شكل و تحت أي عنوان، بعد أن أخرجته ثورة الإستقلال . اليوم على قوى الثورة الحقيقية، وهي القوى الوطنية المدافعة عن إستقلال تونس و سيادتها، أن تتبنى مهمة التصدي لقوى  الرأسمالوية الكمبرادورية، الدافعة نحو تمرير قوانين التفويت في الأراضي الزراعية للأجانب، لأن هذه القوانين إلى جانب خطورتها على إستقلال تونس، ستكون مكلفة و خطيرة فيما يخص أمننا الغذائي و ستكون كارثية علـى مخزون الماء لدينا،  حيث سيتسبب الإستغلال الرأسمالوي الفاحش لهذه الأراضي، في تلويث الأرض و الجو بالمبيدات الحشرية، و ستكثر الأمراض و المصائب… بدون أن ينتفع المواطن التونسي و بدون أن يتحقق أمنه الغذائي، لأن ما سيزرع بهذه الأراضي لن يكون ما يحتاجه الشعب التونسي، بل ما تستحقه الأسواق الخارجية من منتوجات.

ن. مسعود

(1) محمد المصمودي حسبما يذكر أحمد بن صالح نفسه

(2) نسبة لوسيلة بن عمار، و كان من بين رجالاتها، مدير الحزب عبدالله فرحات، وزير الداخلية الباجي قايد السبسي، و مدير الأمن المقرب الطاهر بلخوجة، الذي سبق و أن أتهم بمحاولة إغتيال بن صالح و وقع إيقافه و سجنه.

(3) كما ذكر في حوار تلفزي الوزير الأسبق مصطفى الفيلالي

(4) نداء تونس لم تتبين هويته بعد بطريقة نهائية.

Publicités
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Un commentaire pour حكاية إسقاط أحمد بن صالح، أهي فقط تراجيديا واقعية، أم حجر أساس كل السياسات الإقتصادية النيولبرالية في تونس؟

  1. fethi dit :

    لتفسير فشل التجربة الاشتراكية يجب الأخذ بعين الاعتبار طبيعة النسيج الاقتصادي في بداية الستينيات أي زمن اقتسام الكعكة بين مناضلي الحزب الإشتراكي الدستورى

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s